الشيخ الأنصاري

764

فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )

المقلد بين حكم يتفرع على أحد القولين وآخر يتفرع على آخر والمسألة محتاجة إلى التأمل وإن كان وجه المشهور أقوى هذا حكم المفتي . وأما الحاكم والقاضي فالظاهر كما عن جماعة أنه يتخير أحدهما فيقضي به لأن القضاء والحكم عمل له لا للغير فهو المخير ولما عن بعض من أن تخير المتخاصمين لا يرفع معه الخصومة ولو حكم على طبق إحدى الأمارتين في واقعة فهل له الحكم على طبق الأخرى في واقعة أخرى المحكي عن العلامة رحمه الله وغيره الجواز بل حكي نسبته إلى المحققين ( لما عن النهاية من أنه ليس في العقل ما يدل على خلاف ذلك ولا يستبعد وقوعه كما لو تغير اجتهاده إلا أن يدل دليل شرعي خارج على عدم جوازه كما ( روي أن النبي صلى اللَّه عليه وآله قال لأبي بكر : لا تقض في الشيء الواحد بحكمين مختلفين ) ) . أقول يشكل الجواز لعدم الدليل عليه لأن دليل التخيير إن كان الأخبار الدالة عليه فالظاهر أنها مسوقة لبيان وظيفة المتحير في ابتداء الأمر فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى حال المتحير بعد الالتزام بأحدهما وأما العقل الحاكم بعدم جواز طرح كليهما فهو ساكت من هذه الجهة والأصل عدم حجية الآخر بعد الالتزام بأحدهما كما تقرر في دليل عدم جواز العدول عن فتوى مجتهد إلى مثله . نعم لو كان الحكم بالتخيير في المقام من باب تزاحم الواجبين كان الأقوى استمراره لأن المقتضي له في السابق موجود بعينه بخلاف التخيير الظاهري في تعارض الطريقين فإن احتمال تعيين ما التزمه قائم بخلاف التخيير الواقعي فتأمل واستصحاب التخيير غير جار لأن الثابت سابقا ثبوت الاختيار لمن لم يتخير فإثباته لمن اختار والتزم إثبات للحكم في غير موضوعه الأول . وبعض المعاصرين رحمه الله استجود هنا كلام العلامة رحمه الله مع أنه منع عن العدول عن أمارة إلى أخرى وعن مجتهد إلى آخر فتدبر . ثم إن حكم التعادل في الأمارات المنصوبة في غير الأحكام كما في أقوال أهل اللغة وأهل الرجال يوجب التوقف لأن الظاهر اعتبارها من حيث الطريقية إلى الواقع لا السببية المحضة وإن لم يكن منوطا بالظن الفعلي وقد عرفت أن اللازم في تعادل ما هو من هذا القبيل التوقف